X
جديد الموقع
حزب الله يهنئ الشعب الفلسطيني على كسر قيود الاحتلال عن المسجد الأقصى المبارك
حزب الله: ما قام به أبناء عائلة الجبارين في القدس درس لأحرار الأمة..
الإمام الخامنئي: الجرائم بحق الشعب الايراني لن تزيده إلا كرهاً للادارة الأميركية وأذنابها بالمنطقة كالسعودية
بيان صادر عن حزب الله تعليقاً على اقتحام النظام البحراني لمنزل آية الله الشيخ عيسى قاسم
حزب الله يدين بأشد العبارات : الحكم ضد آية الله الشيخ عيسى قاسم جريمة
السيد حسن نصر الله يهنئ الشيخ روحاني بإعادة انتخابه رئيسا للجمهورية الاسلامية

مقابلات :: لقاء خاص مع الأسيرين المحررين رسمية جابر وأحمد يحيى

img
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest Gmail DoMelhor Addthis

حيثُ الطّلقة باتت بقعة نورٍ من خلفها أجيال حرّة، حيثُ القضبان حدودٌ لا تنفدُ، حيث الزنزانة من بين الحدّ سماء، وفيها طيرٌ حلّق أزمانًا، أبدع فيها، جالَ بُحور البعدِ وحطّ شهادة أو رفعَ الرايةَ فوق التّل معلنًا النّصر، من قلبِ الزنزانة.

طيرُنا هذا عاش سنيّه بين الشّوقِ لأهله والبعد عنهم، وبين حرب ثباتِ عقيدتِه في ظلّ التّعذيب المبرحِ ومعاناةٍ (نفسية وجسدية) لم تنفكّ عنه حتّى ما بعد الحريّة المزعومة. محطّةُ وصلِ الشّمس بحجم طيورها العابرة .. الخيام.



تتحدّث الحاجة رسمية جابر عن إحدى سبل الضّغط الّتي اعتمدها الاسرائيلي أثناء فترة الاعتقال وهي "عميلة الزنزانة": "كان في ذلك الزّمن فقط عميلة الزنزانة، اليوم العميل معنا صباحًا ومساءً وكل دقيقة. تلقائيًا ارتحت لهذه الفتاة فالعدو يستغل من هي أقرب لي.." وتضيف: " كنتُ أشعر بالقلق عد رؤيتي منام (والعدو الاسرائيلي يرجع سبب المنام إلى حالة نفسية) فيه رفيقتي ووالدي -فهم كانوا قد اعتقلوا أبي وأخي قبلي- فأخبرتها بذلك.. وفي اليوم التالي أنزلوني إلى التحقيق وأنا معصبة العينَيْن وراحوا يهدّدونني برفيقتي ووالديّ. طبعًا للمرة الثانية يكون الموقف أصعب عادةً يقومون بإلباسي كيسًا، يمكن أثناء الضّرب أن يتحرك الكيس قليلًا ولكن دون أن ينخلع كله أي لا يظهر شعري. لكن هذه المرة يأتي مسؤول العملاء ويخلع الكيس.. نسيتُ وجعي وألمي، صرتُ أريد فقط أن أخبّئ شعري أن أخبئ نفسي! اعتبرت نفسي الآن حقًّا عارية أمام هؤلاء، فصرت أبكي وأطلب منهم فقط أن يتركوا الكيس حتى أستطيع التكلّم."

ثمّ تخبر الحاجة رسمية عن بعض أحوال التعذيب فتقول: "التعذيب هون صار أصعب، يعني بالأول كهربا وكرباج ورمي ماي. بعدين صاروا يجيبولنا كراسي حديد وإيدينا وجرينا مقيّدين، نركع ولازم نحمل الكرسي وكذا.. ممنوع نحني ظهرنا وكل ما انحنينا بيضربنا بإيدو أو إجرو أو كرباجو."

قال أحد المحققين لها يومًا (حرفيًّاً): "نحن لا نأتي بكم إلى هنا كي نخرّجكم خزب الله." فتردّ الحاجة عليه بملء الثقة: "بالنسبة لي هنا مدرسة أستطيع أن أعلم فيها حزب الله."

أمّا عن موطنهم الصّغير جدًّا الّذي لبثوا فيه المقدار الأكبر من فترة الاعتقال تصفه الحاجة رسمية بقولها: "الزنزانة بتنزّل من 3 حيطان ماي، هيدا المكان كان ع أيام الاحتلال الفرنسي اسطبل للخيل. بهيدا المعتقل كنا ٦ أو ٧ بنات بالزنزانة ننام على فرشة اسفنج هاي اللي ٧٠ سم. ننام كعب وراس ع بعض، نسحب القمل، الجرد.."

تضيف الحاجة رسمية مصرّحةً عن برنامجهن اليوميّ أيام الاعتقال"فيبدأ بالرياضة الصباحية عند السادسة صباحًا مع فتح أبواب الزنازين للخروج إلى التحميم الّذي كان عبارة عن غلن ماي سعتو 5 لتر بقصوه بالنص ومنستعملو لكل حاجاتنا اليومية ضمنها الوضوء للصلاة. ثمّ نعمل بالأشغال اليدوية لتمضية الوقت كنا نخيّط، نقطع شقفة شريط كهربا ونحفها باسنانا ونعملها ابرة..نجيب حبات الزيتون نحفها ونشتغل فيها.."
 
كان يلي الرياضة والفطور يوميًا نقاش سياسي، على تعدّد طوائف وأحزاب المعتقلات كنّ يتناقشن "يعني على مستوى".. تقول "بدي أدي رسالتي، هاي الرسالة اللي جيت كرمالها ع المعتقل".

وفي جملة ذكريات الحاجة الأليمة حينًا، المليئة إرادة وقوّة ومقاومة أحيانًا أخرى، تعود بخاطرتها إلى وحيدة عينٍ قد فقدت الأخرى ولطالما هُدّدت باقتلاع الثانية رغم أنها "لا شيءٍ قد جنته لتُهَدَّد بالمقابل". تقول أن ليلة العيد أخرجها العميل حسين عبد النبي على أن يعيدها إلى المعتقل في اليوم التالي، ولشدة الخوف الّذي اعتراها من العودة مشت ليلًا بين الجليد والثلوج هربًا من العودة إلى "جحيم المعتقل" فتقع في بركة جليدٍ صادفت ضعف الرّؤية وسوء الطّقس حتى وجدت صباح اليوم التالي "لقوها طايشة ع وج المي".

وتختم الأسيرة المحرّرة لقاءها بأخوات التعبئة التربوية بتركيزها على فكرة الحجاب "الحجاب هوي كرامتي وعزتي وشرفي، ولكن اذا انحطيت بيوم بين المقاومة والحجاب رح اختار كفي مع المقاومة لأنو يا أخوات المقاومة هيي اللي بتحميلي حجابي، وحجابي بيدعم المقاومة!.

وقد دعت في نهاية اللقاء المليء من بأسِ زينب (ع) وكأن ظلّها ما فارق ملامح الشّغف والعزّة على كلّ وجهٍ شبابيّ من الأخوات الحاضرات، دعت إلى وقفة تضامنٍ مع من شاركوها طعم المقاومة تحت التعذيب، فذاقوا الحلو في مرّه، ألا وهم الأسرى الفلسطينيون.


أحمد يحيى، الخيام

تسع سنواتٍ جعلت رجلًا في كنف السّلاح إلى السّلاح بعينه، دوّى صوتهُ سفيرًا بين أرجاء المعتقل ليخلّد وإخوانه حكايا الجهاد بحلّةٍ مختلفة، جهادَ الحرية في سماء الزنازين.



أعادنا "حرّ البصيرة" إلى مرحلتهم الأصعب في الاعتقال، والأشدّ تأثيرًا حسب تعبيره تزامنًا مع قضية الأسرى الفلسطينيين اليوم "كنا ما يقارب 350 أسير، بالدرجة الأولى محرومين من حقوقنا اللي لازم يحصل عليها كل أسير، كنا نضل نتخذ قرارات باضرابات واعتصامات لتحقيق حقوقنا البسيطة. أحد الأيام كنا عم نتشاور بين الاخوان .. يا اخوان شو بدنا نعمل هيدي الشباب عم تمرض، هيدي الشباب سقط منها شهيد نتيجة قلة الغذا مع العذاب، قلنا لازم نخرج من دائرة الظلم ونوصل لخلاصة إمّا الشهادة أو النّصر."

في 22 تشرين الثاني 1989 وكانت ليلة الجمعة، حدثت الانتفاضة الكبرى داخل المعتقل، حيث قرّروا تحت شعار "إما الشهادة أو النصر" خلع الأبواب وكسرها ومواجهة السجّان بالصدور العارية والأيدي الخاوية، سبق ذلك الاضراب عن الطعام.

"يتم سحبي اني وحَدا من الاخوان وبضّهروني ع الساحة رقم ٣ لي هون حد الدرج، بيربطونا ويكربجونا ويحطولنا الكيس ومننزل شي 10 بالليل (كان يوم شتي وممطر جدًّا) وببلشو الضرب والعذاب والغاية انو نفوت ناكل وما نأضرب. نحنا أد ما تأذينا وتعبنا ما قدرنا وبلشنا صريخ والشباب ع أعصابا، فدار الخبيط عالبواب لحوالي الساعة تقريبا.. اجت القيادة العسكرية "الاسرائيلية" حاولت تتفاوض معنا وتقلنا اللي بدكن ياه بس نحنا ما ردينا.. قلنا الأمر ما في مجال وانتو ما الكن أمان وخدّاعين ومكّارين.. بلشو يكبّو علينا قنابل غازية كتحذير إنو روقو أو بكون مصيركن الموت والفناء، ما ردّينا.. المرة التانية سكّرو علينا الشبابيك مصدر التنفس الوحيد لـ 125معتقل بالسجن رقم ٣ ورموا قنابل غازية. وصلنا لمرحلة شبه الموت، فبدأت عملية التكبير والتهليل قام صاروا يطلقوا النار ..بيسمعونا بالمعتقل رقم ٤ وبالتحديد الشهيد بلال أبو عزة، الشهيد بلال سلمان، والشهيد ابراهيم أبو عزة. قالو يا اخوان سامعين التكبير والقواص؟ الظاهر في حالة اعدام لأحد الاخوان.. صار يصرّخ. بيسمعوه معتقل رقم ٢، كمان نفس الحالة ..سمعو الأخوات وبلشو الخبيط ع البواب كمان. ضجّ معتقل الخيام وقتها بأصوات التكبير والتهليل!".

بعد القاء السموم والقنابل الغازية يخبرنا الأسير المحرّر أنّ الصهاينة قد سمحوا للمعتقلين النوم في الساحة مقيّدين وذلك خوفًا من ردات الفعل، كذلك تمّ نقل "المشاغب" السيد بلال السلمان من المعتقل ٤ إلى معتقلنا وعند صبيحة ذلك اليوم، ومع صوت "الله أكبر" من مسجدٍ قريب، يقطع سمفونية الصّمت بلوحة فجرٍ ربّانية، يعلو ليُخرس كلّ  مستكبرٍ بـ أن لا إله إلّا هو.. الإخوة يوقظ أحدهم الآخر لتأدية واجب الوصل مع الرّحمن الأعلى، وهُناك خلف أحد الجدران: "يا بلال فيء يا بلال صار وقت صلا ..بلال رد عليي تقبرني..بلال.." ثمّ يكمل الحاج أحمد في غمار الذّاكرة: "بيقلبو بكون نايم ع جنبو بلاقي السموم طالعة من تمو.. بياخدلو نبضو، بهزّو، بيحكي معو ..بلاقيه جامد! منسمع وقتها كلنا صوت الصرخة الكبيرة "الله أكبر" استشهد بلال السلمان.. حالة الضيق وقتها ما بتنوصف، بصيرو الشباب كلن يحاولو يخبطو ع البواب يكسروها ..بقومو الملاعين بجيبو قنبلة غازية وبكبوها".

أمّا عن بطلَيْن من وُلد الاعتقال يخبرنا الأسير أحمد يحيى عن الجملة الشهيرة الّتي لطالما ردّدها الشهيدَين ابراهيم أبو عزة وبلال السلمان حين يبادره ابراهيم بـ:
-"لوين بلال؟"
-"عالقبر، وراك عالقبر."
وكذا أهل الوفاء ما فرّقتهُما الشّهادة..
ويشير أنّ الشّهيد بلال كان مأسورًا منذ 1987 وابراهيم سبقه بعامين أي منذ 1985.

أمّا بعضٌ من ملامح مجمل سنوات الاعتقال فيروي لنا الأسير المحرر "كان الطعام قليلًا جدًّا..صباحًا حبّتَي زيتون أو قطعة جبن، ظهرًا ما تعدّى الغداء الفول أو الحمّص أو العدس المسلوق، والبطاطا هي عشاؤنا المعتاد..أما الماء فكُنّا نُروى بثلاث أكوابٍ على مدار يومٍ كامل مقسّمة على الثلاث فترات."
عن الاستحمام والنظافة: "كان كلّ 20 يوم مرّة فقط وقد يمتد حتى الثلاث أشهر أحيانًا، كان القمل شيء طبيعيّ جدًّا فينا لأنه لا يوجد ماء حتى للشّرب". ويضيف "كنّا نستغلّ كل الأشياء حتّى "الصّرصور"  كان وسيلة نقل الولّاعات للشباب في الزنزانات الأخرى."

وهُنا أسدَل أسرانا أسطر الكرامة بكثير صبرٍ وعظيم إرادة، لا بل شرّعوا أمام الأمّة حجّةً مُلقاة حتّى الظّهور. قد لا يسعُنا ذكر كلّ تفصيلٍ في زوايا المعتقل الدّقيقة، وقد نملك سوى حفنة حرفٍ نقصّ فيه ما رووه، لا تُساوي ذرّة جرحٍ من بين غياهب صمود .. لربّما ما كان حصاد النّصر لولا مقالع الحرثِ في الزّنازين، أولئك الأحرار حقًّا!

سجّلوا في صفحاتٍ مورّخةٍ من زمن العبيد، هذا رمادُ الخيام جنّة الواصلين، في زمن العبيد تنشّقوا الحرّية وعبّدها "من قضى نحبه" بالدّمّ، أمّا من ينتظر ..فرمادٌ آخر على حافّة التّبيان.

كلّ ألمٍ بعين صاحب الزّمان (عج) وفي رعايته.

إعداد: فاطمة زين الدين
تصوير: رضا بيضون




تعليقات الزوار


جيش الاحتلال الإسرائيلي يسهّل تعاطي المخدرات/ تزيد العدوانية وتصبح جزءا من الأوامر العسكرية

مواقيت الصلاة

بتوقيت بيروت

الفجر
4:39
الشروق
5:59
الظهر
12:45
العصر
16:25
المغرب
19:44
العشاء
20:55